منذ أن شقّ نهر العاصي طريقه عبر حماة، ظلّ مجراه أخفض من مستوى البساتين المحيطة به، فابتكر أهل المدينة حلاً هندسياً بسيطاً وبديعاً: عجلات خشبية ضخمة تدور بقوة التيار وحده، تلتقط الماء في صناديق تنقلب عند القمة لتصبّه في قناة حجرية ترفعه نحو الجنائن والمساجد والحمّامات والبيوت.
لم تكن هذه الآلات مجرد وسيلة للري، بل غدت مع الزمن صوت المدينة ونبضها، وسُمّيت "النواعير" نسبةً إلى الأنين الذي يصدر عن خشبها العتيق وهو يدور ليل نهار — صوتٌ يقول أهل حماة إنه لا يتوقف حتى في أحلامهم.
يعود أول ذكر معروف لآلات مشابهة في المنطقة إلى فسيفساء رومانية من القرن الرابع الميلادي عُثر عليها في أفاميا، ما يشير إلى جذور الفكرة العميقة في وادي العاصي.
الحرفة
حرفة تنتقل من جيل إلى جيل
لا تزال صيانة النواعير تُعرف محلياً باسم "الكشتة"، عملية تجرى كل عامين تقريباً لاستبدال الألواح الخشبية المتآكلة والمحافظة على توازن العجلة. يتوارث هذه الحرفة عدد قليل من العائلات في حماة، جيلاً بعد جيل، ويعملون غالباً على ارتفاعات شاهقة فوق النهر بأدوات بسيطة كما فعل أجدادهم قبل قرون.
تُصنع المحاور الضخمة من خشب الجوز لصلابته، بينما يُستخدم الحور غالباً في بقية الهيكل، إلى جانب مسامير حديدية تُبقي الأجزاء مترابطة رغم دورانها المستمر ليل نهار.
دراسة أُجريت عام 1930 قدّرت أن الناعورة الواحدة، في أوج طاقتها، تنقل نحو 45 لتراً من الماء في الثانية — ما يكفي لري 25 هكتاراً من الأرض الزراعية.